الراغب الأصفهاني
319
الذريعة إلى مكارم الشريعة
وقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ، « 1 » فأمر فيهما بقطع شجرتين يتفرع عنهما جل الرذائل والمآثم ، ولا يكون الإنسان تام العفة حتى يكون عفيف اليد واللسان والسمع والبصر ، فمن عدمها في اللسان السخرية والتجسس والغيبة والهمز والنميمة والتنابز بالألقاب ، ومن عدمها في البصر مد العين إلى المحارم وزينة الحياة الدنيا المولدة للشهوات الرديئة ، ومن عدمها في السمع الإصغاء إلى المسموعات القبيحة . وعماد عفة الجوارح كلها أن لا يطلقها صاحبها في شيء مما يختص بكل واحد منهما إلا فيما يسوغه العقل والشرع دون الشهوة والهوى . واعلم أنه لا يكون المتعفف عفيفا إلا بشرائط : وهي أن لا يكون تعففه عن الشيء انتظارا لأكثر منه أو لأنه لا يوافقه ، أو لجمود شهوته ، أو لاستشعار خوف من عاقبته ، أو لأنه ممنوع من تناوله ، أو لأنه غير عارف به لقصوره ، فإن ذلك كله ليس بعفة بل هو إما اصطياد ، أو تطبب أو مرض أو خرم أو عجز أو جهل . وترك ضبط النفس عن الشهوة أذم من تركها عن الغضب فالشهوة مغتالة مخادعة والغضب مغالب والمتحيز عن قتال المخادع أردى حالا من المتحيز عن قتال المغالب ، ولهذا قيل عبد الشهوة أذل من عبد الرق ، وأيضا بالشره قد يجهل عيبه فهو شبيه بأهل مدينة لهم سنة « 2 » رديئة يتعاطونها وهم يعرفون قبحها ، وليس من تعاطى قبيحا يعرفه كمن يتعاطاه وهو يظنه حسنا .
--> ( 1 ) الحجرات / 12 . ( 2 ) عبارة ط مضطربة ففيها « لها ستة أبواب رديئة . . » ولعل الصواب ما ذكرنا محققا من نسختي أ ، د .